Prof Omar Al-Rawas
رسالة من الأمين العام "التحول في المنظومة الرقمية للمجلس العربي مسعى نحو تطور مستدام"
سعادة الأستاذ الدكتور عمر عوض الرواس

الأخوة والزملاء الأعزاء

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،

تعلق منظورنا المؤسسي لتطوير عمل المجلس العربي أثناء إعدادنا الخطة الخمسية للمجلس ومراجعتها مرات عديدة بعدة منطلقات ومحاور أساسية في بنيتها المنظومية وهي: الرؤيا والرسالة والقيم والمبادئ والأهداف والممكنات الاستراتيجية التي تقوّي عَزمات التغيير وتسهم في رفعة شأنه وتعزز طموحه وشأوه، وقد أكدنا دائمًا على أن هذه المحاور والأبعاد هي كتلة واحدة يشد بعضها بعضًا وتدفع جميعًا باتجاه غايتها الحقيقية "التطور واستدامته".

                لقد صيغت 6 ممكنات استراتيجية للخطة الخمسية هي في منظورنا عوامل أساسية للتطوير لا يتأتى إلا منها: القدرات البشرية، والتمويل، والعلاقات الخارجية، والتواصل الفعال، والتحول الرقمي، والابتكار. وهذه الممكّنات على أهميتها وجلالة تأثيرها كلها يتقدم إلى واجهة الحديث فيها ويغري به موضوع التحول الرقمي، فهو حديث الساعة واللحظة الراهنة.

إن المعنى الأساسي الذي يشير إليه "التحول الرقمي في المؤسسات" يتمثل في إنشاء منتجات وخدمات جديدة وتنفيذها على نحو نافع ومفيد موصلٍ إلى غاياته مع المستفيدين ويجلب آخرين جددًا، ويعيد إنتاج قيم وهياكل وممارسات ومعتقدات جديدة في العمل تغير قواعده الحالية، والتحول الرقمي لا يحيل إلى استخدام أكثر الابتكارات تعقيدًا وتكلفة لإجرائه على نحو ناجح في مؤسسة ما، ولكن مفتاح التحول الرقمي الحقيقي الناجح هو اختيار أنسب التقنيات وأحدثها لتلبية متطلبات مشروع معين بأكثر الطرق فاعلية. لقد أشارت دراسات استراتيجية متخصصة عديدة إلى أن المؤسسات تواجه ظاهرة جديدة من التحديات العاصفة تتعلق بالتخطيط والتنظيم الصارمين، والتكاليف المرتفعة على نحو كبير يحول دون استئناف عملها، ومع ذلك يرى المتخصصون أن فوائد الثورة الرقمية تغير هذه التحديات بعمق وتؤثر في انعطاف مساراتها، ويمكن بهذا الصدد الإشارة إلى مثال عالمي صارخ وحقيقي فقد بلغ الإنفاق الوطني على الصحة في الولايات المتحدة (3.2) تريليون دولار في عام 2015، وهو ما كان يشكل حوالي 18٪ من إجمالي الناتج المحلي للدولة، وأن التحول الرقمي في الرعاية الصحية آنذاك وفر حوالي (300) مليار دولار .

 

إن التحول الرقمي يساعد المؤسسات في رقمنة أعمالها الورقية وترقية أنظمتها القديمة وتعزيز جودتها واستثمار وقت موظفيها والمستفيدين من خدماتها بكفاءة عالية ويجعلها أكثر مرونة ورشاقة وملاءمة، وهو كذلك يقلل عدد الأخطاء البشرية، ويوفر إدارة ممتازة للبيانات، وزيادة إمكانية التفاعل بين أطراف العمل، ويوفر طرقًا أفضل لقياس النتائج، ويمنح فرصًا جديدة للتحسين وبناء مؤسسات تقدم تجارب عالية الجودة للأشخاص الذين تخدمهم، فلا غرو إذن أن كان التحول الرقمي يقلل التكاليف ويحد من تفاقمها ونزفها.

إن منظورنا المؤسسي للتحول الرقمي في المجلس العربي يسعى إلى تحقيق هذه المصالح الآنفة، غير أنه يتطلب منا تحديد ترتيبات مؤسسية جديدة حاسمة لها شِعاب شتى، منها ما يرتبط بالأشكال التنظيمية الرقمية، ومنها يخص البنية التحتية الرقمية، ومنها ما يتعلق بتدريب الكوادر البشرية وتأهيلهم في استخدام المنظومة الرقمية على نحو أمثل وعلى وفاق تخصصاتهم ومجالات عملهم، وهي أمور نعمل على معالجتها في المجلس ونحث الخطى نحوها، ولعل من بوادرها التحول الرقمي في أنظمة قياس وتقويم الأطباء وسنتناول مستجدات هذه البادرة في رسالة مستقلة قادمة إن شاء الله.

ولكن التحولات الجذرية العميقة التي يحدثها التحول الرقمي والتي نتطلع إليها ونستشرف لها هي تلك التي تمس الثقافة المؤسسية وثقافة الأفراد حيث تنبثق من التحولات نماذج تعليمية وتشغيلية جديدة وتظهر منها نماذج عمل موجهة نحو القيمة، وهذا الذي نأمله أن ننتج ثقافة مؤسسية في العمل الصحي العربي تواكب معطيات عصرنا وتطوراته السريعة التي تحفظ وجودنا وتحافظ على مسيرنا في الركب العالمي وإبقائنا ضمن دوائر المنافسة فيه والاستجابة لتحدياته.

 

تحياتي المخلصة

أ.د عمر الرواس