
المؤسسة الراعية
شراكة في قيادة التعليم الطبي التخصصي وتطويره
يشهد التعليم الطبي التخصصي اليوم مرحلةً مفصلية من التحولات العميقة، تتسارع فيها الاكتشافات العلمية، وتتغير فيها نماذج الرعاية الصحية، وتتوسع تطبيقات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في مجالات العمل الصحي كله، وتتزايد الحاجة إلى كوادر صحية تمتلك الكفاءة المهنية، والقدرة على التعلم المستمر، والقيادة القائمة على الأدلة والبيانات، والعمل ضمن فرق متعددة الاختصاصات. فلم يعد تطوير البرامج التدريبية، مهما بلغت جودتها، كافيًا بمفرده لمواكبة هذه التحولات واستيعاب متغيراتها، بل أصبح نجاحها مرتبطًا بوجود مؤسسات راعية تمتلك رؤية استشرافية استباقية مكتملة، تستظهر التحولات وتمتلك القدرة على قيادتها.
إن المجلس العربي للاختصاصات الصحية وانطلاقًا من رسالته في الارتقاء بالتعليم الطبي التخصصي، يؤمن بأن المؤسسة الراعية تمثل الركيزة الإستراتيجية التي تقوم عليها منظومة التدريب بأكملها. فهي ليست إطارًا تنظيميًا يضم مجموعة من برامج الإقامة والزمالة فحسب، ولكنها كيان مؤسسي يوحد في إطاره الرؤى، ويبني ثقافة الامتثال والجودة، ويوفر البيئة التعليمية الداعمة، ويهيئ البرامج لتحقيق رسالتها في إعداد اختصاصيين قادرين على خدمة مجتمعاتهم بكفاءة واقتدار.
تمثل معايير الاعتماد المؤسسي -التي وضعها المجلس العربي- إطارًا يحدد مسؤوليات المؤسسة الراعية في القيادة، والحوكمة، وضمان الجودة، والاعتماد، وتوفير الموارد، وتعزيز البيئة التعليمية، ودعم المتدربين وأعضاء هيئة التدريب، وبناء الشراكات، وترسيخ ثقافة التحسين المستمر. إلا أن المجلس العربي ينظر إلى هذه المعايير باعتبارها أساسًا تنطلق منه رحلة التطوير، وليست غايةً تنتهي إليها، فهو يسعى إلى تأكيد هذا الأدوار ويشجع مُضيها إلى خطوات أبعد، واستكشاف مساحات جديدة لها، لاسيما أن معايير الاعتماد في المجلس العربي، أتاحت من الناحية التنظيمية وجود مؤسسات راعية بحجم وطني، أو هياكل تنظيمية كبرى، تتمتع بالصلاحيات الكاملة تتولى قيادة برامج تدريب الاختصاصات الصحية والإشراف عليها.
إننا في المجلس العربي نتطلع إلى أدوار للمؤسسة الراعية تتجاوز حدود المعنى التقليدي للإشراف الطبي، تكون فيه المُمكّن المؤسسي للتعليم الطبي التخصصي، والقوة التي تمنح برامجها القدرة على التطور والنماء والابتكار والاستدامة. فهي تقود ولا تكتفي بالإدارة، وتمكّن ولا تقتصر على المتابعة، وتبني القدرات قبل أن تقيس الامتثال، وتستثمر في الإنسان كما تستثمر في الأنظمة والموارد؛ فهي منصة مؤسسية متكاملة تجمع القيادة الإستراتيجية، والحوكمة الفاعلة، وإدارة الجودة، والبحث في التعليم الطبي، والتحول الرقمي، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، وإدارة المعرفة، والتطوير المهني، ورفاه المتدربين وأعضاء هيئة التدريب، والتعاون بين المؤسسات، في إطار واحد يضمن أن تعمل جميع البرامج التدريبية ضمن منظومة متجانسة تتشارك الرؤية والمعايير وأهداف التطوير.
وفضلا عن ذلك، نتطلع إلى أن تكون المؤسسة الراعية مؤسسةً متعلمة مدى الحياة؛ تستثمر البيانات ومؤشرات الأداء والتغذية الراجعة والبحوث التعليمية لتحسين قراراتها، وتطوير برامجها، واستشراف احتياجاتها المستقبلية، فيتعزز بذلك التعليم الطبي ويعظُم بمقاصده وغاياته ويرتقي بمخرجاته.
وإيمانًا منا بأن التعليم الطبي جزء لا يتجزأ من المنظومة الصحية، فإن المؤسسة الراعية مطالبة أيضًا بأن توائم برامجها مع الاحتياجات الوطنية للقوى العاملة في المجال الصحي، وأن تسهم في تطوير الكفاءات التي تتطلبها أنظمة الرعاية الصحية، وأن تبني شراكات فاعلة مع الجامعات، والمستشفيات، والهيئات التنظيمية، والقطاعات الصحية المختلفة؛ لتحقيق التكامل بين التعليم والخدمة والبحث والابتكار.
كما نؤمن بأن مستقبل التعليم الطبي في وطننا العربي ينبغي أن يقوم على التعاون أكثر من التنافس، وعلى تبادل الخبرات أكثر من العمل المنفرد. ومن هنا، فإننا ندعم سعي المؤسسات الراعية إلى بناء شبكات للتعاون العلمي والأكاديمي، وإطلاق المبادرات المشتركة في التعليم والبحث والابتكار، وتبادل الخبرات والموارد؛ فتقوى بِنيتها على مواجهة التحديات، وتسهم في بناء منظومة صحية عربية أكثر تكاملًا وتميزًا.
إن المؤسسة الراعية بنظر المجلس العربي هي استثمار إستراتيجي في التعليم الطبي التخصصي؛ فالمؤسسة القوية تُنشئ برامج قوية، والبرامج القوية تُخرّج اختصاصيين أكفاء، والاختصاصيون الأكفاء هم أساس أنظمة صحية أكثر جودة، وقدرة على الابتكار، واستجابة لاحتياجات الإنسان.
ومن هنا نجدد دعوتنا إلى شركائنا جميعًا في هذا الميدان للعمل معًا من أجل بناء مؤسسات راعية تصنع مستقبل التعليم الطبي، وتُرسخ ثقافة التميز، وتسهم في الارتقاء بالاختصاصات الصحية والمحافظة على سلامة المرضى وجودة الرعاية المقدمة لهم.
واللهَ أسأل أن يوفقنا أجمعين لما فيه خير أوطاننا ومجتمعاتنا
وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ
أ.د عمر عوض الرواس
الأمين العام للمجلس العربي